فصل: شهر جمادى الأولى سنة 1218:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (نسخة منقحة)



.شهر ربيع الأول سنة 1218:

استهل بيوم الثلاثاء، وفي يوم السبت خامسه أحمد باشا والعساكر الانكشارية الذين جمعوهم من المدينة وسافر صحبتهم من العساكر الذين كانوا صحبة أمير الحاج والجميع كانوا نحو ألفين وخمسمائة وأما أمير الحاج فإنهم عفوا عنه من السفر ودخل المدينة بخاصته.
وفي هذا اليوم، حضر علي كتخدا من جهة قبلي وهو كتخدا حسن باشا الى جرجا ومعه مكاتبة الى الأمراء المصرلية وأنه وصل الى أسيوط فكتبوا له أماناً بالحضور الى مصر بمن معه من العسكر ورجع علي كتخدا بذلك في ثاني يومه فقط.
وفيه ورد الخبر بوصول أنجد بك الى ثغر دمياط بالريالة الى محمد باشا.
وفي يوم الأربعاء تاسعه، سافر الشريف عبد الله ابن سرور الى سكندرية متوجهاً الى اسلامبول وأنعم عليه ابراهيم بك بخمسين ألف فضة.
وفي يوم الجمعة، كان المولد النبوي ونادوا بفتح الدكاكين ووقود القناديل فأوقدت الأسواق تلك الليلة والليلة التي قبلها ولكن دون ذلك وأما الأزبكية، فلم يعمل بها وقدة إلا قبالة بيت البكري لاستيلاء الحراب عليها.
وفي ثاني عشره، سفروا جبخانة وجللاً وباروداً الى جهة بحري وأشيع بأن كثيراً من العسكر المصحوبين بالتجريدة ذهبوا الى محمد باشا وكذلك طائفة من الانكشارية المطرودين الذين خلصوا الى طريق دمياط.
وفي يوم الأربعاء سادس عشره، وردت مكاتبات من عثمان بك البرديسي بالخبر بوقوع الحرب بينهم وبين محمد باشا وعساكره.
وفي يوم الإثنين رابع عشره، وقع بين الفريقين مقتلة عظيمة وكانوا ملكوا منه متاريس القنطرة البيضاء قبل ذلك، ثم هجم المصريون في ذلك اليوم عليهم هجمة عظيمة وكبسوا على دمياط بمخامرة بعض رؤساء عساكر الباشا وفتكوا في عسكر الباشا بالقتل وقتلت خواصه وأتباعه وقتل حسين كتخدا شنن ومصطفى أغات التبديل ونهبوا دمياط وأسروا النساء وافتضوا الأبكار وأخذوهم أسرى وصاروا يبيعونهم على بعضهم وفعلوا أفعالاً شنيعة من الفسق والفجور وأخذوا حتى ما على أجساد الناس من الثياب ونهبوا الخانات والبيوت والوكائل وجميع أسباب التجار التي بها من أصناف البضائع الشامية والرومية والمصرية وكان شيئاً كثيراً يفوق الحصر وما بالمراكب حتى بيع الفرد الأرز الذي هو نصف أردب بثلاثة عشر نصفاً وقيمته ألف نصف والكيس الحرير الذي قيمته خمسمائة ريال بريالين الى غير ذلك والأمر لله وحده والتجأ الباشا الى القرية وتترس بها فأحاطوا به من كل جهة فطلب الأمان فأمنوه فنزل من القرية وحضر الى البرديسي وخطف عمامته بعض العسكر، ولما رآه البرديسي ترجل عن مركوبه إليه وتمنى بالسلام عليه وألبسه عمامة وأنزله في خيمة بجانب خيمته متحفظاً به، ولما وصل الخبر بذلك الى مصر ضربوا مدافع كثيرة من قصر العيني والقلعة والجيزة ومصر العتيقة واستمر ذلك ثلاثة أيام بلياليها في كل وقت.
وفي عصريتها، حضر جوخدار البرديسي وهو الذي قتل حسين آغا شنن وحكى بصورة الحال فألبسه ابراهيم بك فروة وأنعم عليه ببلاد المقتول وبيته وزوجته وأملاكه وجعله كاشف الغربية وذهب الى وكيل الألفي أيضاً فخلع عليه فروة سمور وصار يبدر الذهب في حال ركوبه.
وفي يوم الجمعة، ذهب المذكور الى مقام الإمام الشافعي وأرخى لحيته على عادتهم التي سنها السدنة ليعفيها بعد ذلك من الحلق.
وفي ذلك اليوم، عمل ابراهيم بك ديواناً ببيت ابنته بدرب الجماميز وحضر القاضي والمشايخ ولبس خلعة وتولى قائمقام مصر وضربت في بيته النوبة التركية.
وفي عشرينه ورد الخبر بوصول علي باشا الطرابلسي الى إسكندرية والياً على مصر عوضاً عن محمد باشا وحضر منه فرمان خطاباً للأمراء يعلمهم بوصوله ويذكر لهم أنه متولي على الأقطار المصرية عوضاً عن محمد باشا من إسكندرية الى أسوان ولم يبلغ الدولة موت طاهر باشا ولا دخولكم الى مصر ومعنا أوامر لطاهر باشا وأحمد باشا أنهم يتوجهون بالعساكر الى الحجاز بسبب الوهابيين، فلما وصلنا الى إسكندرية بلغنا موت طاهر باشا وحضوركم الى المدينة بمعاونة الأرنؤدية وقتل رجال الدولة والانكشارية وقتل من معهم وإخراج من بقي على غير صورة الى غير ذلك وهذا غير مناسب ولا نرضى لكم بهذا على هذا الوجه فإننا نحب لكم الخير ولنا معكم عشرة سابقة ومحبة أكيدة ونطلب راحتكم في أوطانكم ونسعى لكم فيها على وجه جميل وكان المناسب أن لا تدخلوا المدينة إلا بإذن الدلوة فإن تظاهركم بالخلاف والعصيان مما يوجب لكم عدم الراحة فإن سيف السلطنة طويل فربما استعان السلطان عليكم ببعض المخالفين الذين لا طاقة لكم بهم، ثم قال لهم في ضمن ذلك إن لنا معكم بعض كلام لا يحتمله الكتاب وعن قريب يأتيكم إثنان من طرفنا عاقلان تعملون معهما مشاورة فكتبوا له جواباً حاصله أن محمد باشا لما كان متولياً، لم نزل تترجى مراحمه وهو لا يزداد معنا إلا قسوة ولا يسمح لنا بالإقامة بالقطر المصري جملة وجرد علينا التجاريد والعساكر من كل جهة وينصرنا الله عليه في كل مرة الى أن حصل بينه وبين عساكره وحشة بسبب جماكيهم وعلوفاتهم فقاموا عليه وحاربوه وأخرجوه من مصر بمعونة طاهر باشا، ثم قامت الانكشارية على طاهر باشا وقتلوه ظلماً، وقامت العساكر على بعضهم البعض وكنا حضرنا الى جهة الجيزة باستدعاء طاهر باشا، فلما قتل طاهر باشا بقيت المدينة رعية من غير راع وخافت الرعية من جور العساكر وتعديهم، فحضر إلينا المشايخ والعلماء واختيارية الوجاقلية واستغاثوا بنا فأرسلنا من عندنا من ضبط العساكر وأمن المدينة والرعية وأما محمد باشا فإنه نزل الى دمياط وظلم البلاد والعباد وفرد عليها الفرد الشاقة وحرقها فتوجه عثمان بك البرديسي لتأمين أهالي القرى الى أن وصل ال ظاهر دمياط فأقام بمن معه خارج المدينة، فما يشعر إلا ومحمد باشا صدمهم ليلاً وحاربهم فحاربوه فنصرهم الله عليه وانهزمت عساكره وقبض عليه وهو الآن عندنا في الإعزاز والإكرام ونحن الآن على ذلك حتى يأتينا العفو وأما قولكم إننا نخرج من مصر فهذا لا يمكن ولا تطاوعنا جماعتنا وعساكرنا على الخروج من أوطانهم بعد استقرارهم فيها، وأما قولكم إن حضرة السلطان يستعين علينا ببعض المخالفين فإننا لا نستعين إلا بالله وإننا أرسلنا عرضحال نطلب العفو ونترجى الرضا ومنتظرون الجواب.
وفي ثاني عشرينه، حضر واحد آغا ومعه آخر فضربوا له مدافع وعملوا ديواناً وتكلم معهم وتكلم المشايخ الحاضرون في ظلم العثمانيين وما أحدثوه من المظالم والمكوس واتفقوا على كتابة عرضحال الى الباشا فكتبوا ذلك وأمضوا عليه ونادوا في الأسواق برفع ما أحدثه الفرنساوية والعثمانية من المظالم وزيادة المكوس ودفعوا الى الآغا الواصل ألف ريال حق طريقه وسافر.
وفيه وصل الخبر بأن سليمان كاشف لما وصل الى رشيد وبها جماعة من العثمانية وحاكمها ابراهيم أفندي، فلما بلغه وصول سليمان كاشف أخلى له البلد وتحصن في برج مغيزل فعبر سليمان كاشف الى البلد وخرج يحاصر ابراهيم أفندي فهم على ذلك وإذا بالسيد علي باشا القبطان وصل الى رشيد وأرسل الى سليمان كاشف يعلمه بحضوره وحضور علي باشا والي مصر ويقول ما هذا الحصار فقال له نحن نقاتل كل من كان من طرف حسين قبطان باشا وأما من كان من طرف الوزير يوسف باشا فلا نقاتله وارتحل من رشيد الى الرحمانية ودخل السيد علي القبطان الى رشيد.
وفي ثالث عشرينه، سافر جوخدار البرديسي الى ولاية الغربية، وكان شاهين كاشف المرادي هناك يجمع الفردة وتوجه الى طندتا وعمل على أولاد الخادم ثمانين ألف ريال فحضروا الى مصر ومعهم مفاتيح مقام سيدي أحمد البدوي هاربين وتشكوا وتظلموا وقالوا لابراهيم بك لم يبق عندنا شيء فإن الفرنساوية نهبونا وأخذوا أموالنا، ثم أن محمد باشا أرسل المحروقي فحفر دارنا وأخذ منا نحو ثلثمائة ألف ريال، ولم يبق عندنا شيء جملة كافية.
وفي يوم الإثنين تاسع عشرينه، وصل محمد باشا الى ساحل بولاق وصحبته المحافظون عليه وهم جماعة من عسكر الأرنؤد الذين كانوا سابقاً في خدمته وجماعة من الأجناد المصرلية ولم يكن معه من أتباعه إلا ست مماليك فقط، فإن مماليكه المختصين به اختار منهم البرديسي من اختاره واقتسم باقيهم الأرنؤد ومنهم من يخدم الأرنؤد المحافظين عليه ووافق أن ذلك اليوم كان جمع سيدي أحمد البدوي ببولاق على العادة فنصبوا له خيمة لطيفة بساحل البحر وطلع إليها فرأى جمع الناس فظن أنهم اجتمعوا للفرجة عليه فقال ما هذا فأخبروه بصورة الحال. وكان ابراهيم بك في ذلك اليوم حضر الى بولاق ودخل الى بيت السيد عمر النقيب الأشراف باستدعاء فجلس عنده ساعة، ثم ركب الى ديوان بولاق فنزل هناك ساعة أيضاً، ثم ركب الى بيته بحارة عابدين، فلما وصل الباشا، كما ذكر حضر إليه سليم كاشف المحرمجي وأركبه حصاناً وركب مماليكه حميراً وذهبوا به الى بيت ابراهيم بك بحارة عابدين فوجدوا ابراهيم بك طلع الى الحريم، فلم ينزل إليه ولم يقابله فرجع به سليم كاشف الى بيت حسن كاشف جركس وهو بيت البرديسي فبات به، فلما كان في الصباح ركب ابراهيم بك الى قصر العيني فركب المحرمجي وأخذ معه الباشا وذهب به الى قصر العيني فقابل ابراهيم بك هناك وسلم عليه وحضر الألفي وباقي الأمراء بجموعهم وخيولهم فترامحوا تحت القصر وتسابقوا ولعبوا بالجريد، ثم طلع أكابرهم الى أعلى القصر فصاروا يقبلون يد ابراهيم بك والباشا جالس حتى تحلقوا حواليهما، ثم أن ابراهيم بك قدم له حصاناً وقام وركب مع المحرمجي الى بيت حسن كاشف بالناصرية فسبحان المعز المذل القهار.
وفي ثاني يوم غايته، ركب ابراهيم بك الألفي وذهبا الى الباشا وسلما عليه في بيت البرديسي وهادياه بثياب وأمتعة وبعد أن كانوا يترجون عفوه ويتمنون الرضا منه ويكونوا تحت حكمه صار هو يترجى عفوهم ويؤمل رفدهم وإحسانهم وبقي تحت حكمهم فالعياذ بالله م زوال النعم وقهر الرجال.

.شهر ربيع الثاني سنة 1218:

استهل بيوم الأربعاء في ثانيه ضربت مدافع كثيرة بسبب إقامة بنديرة الانجليز بمصر.
وفيه عدى البرديسي من المنصورة الى البر الغربي متوجهاً الى جهة رشيد.
وفي يوم السبت رابعه، وردت هجانة من ناحية الينبع وأخبروا أن الوهابيين جلوا عن جدة ومكة بسبب أنهم جاءتهم أخبار بأن العجم زحفوا على بلادهم الدرعية وملكوا بعضها والأوراق فيها خطاب من شريف باشا وشريف مكة لطاهر باشا على ظن حياته.
وفي يوم الإثنين، نادى الآغا والوالي بالأسواق على العثمانية والأتراك والأغراب من الشوام والحلبية بالسفر والخروج من مصر فكل من وجد بعد ثلاثة أيام فدمه هدر وأمروا عثمان بك أمير الحاج بالسفر على جهة الشام من البر ويسافر المنادي عليهم صحبته وكذلك ابراهيم باشا.
وفي يوم الأربعاء، خرج عثمان بك الى جهة العادلية وخرج الكثير من أعيان العثمانية معه وتتابع خروجهم في كل يوم وصاروا يبيعون متاعهم وثيابهم وهم خزايا حيارى في أسوأ حال وأكثرهم متأهل ومتزوج ومنهم من نهب وسلب وصار لا يملك شيئاً، فلما تكامل خروجهم وسافروا في عاشره وهم زيادة عن ألفين وبقي منهم أناس التجأوا الى بعض المصرلية والانجليز وانتموا إليهم.
وفيه وصلت الأخبار بأن البرديسي وصل الى رشيد وأن السيد علي باشا ريس القبطانية تحصن ببرج مغيزل وغالب أهلها جلا عنها خوفاً من مثل حادثة دمياط، ولما دخل عثمان بك البرديسي الى رشيد فرد على أهلها مبلغ دراهم يقال ثمانين ألف ريال.
وفي ثالث عشره، حضر قنصل الفرنسيس فعملوا له شنكاً ومدافع وأركبوه من بولاق بموكب جليل وقدامه أغات الانكشارية والوالي وأكابر الكشاف وحسين كاشف المعروف بالإفرنجي وعساكره الذين مثل عسكر الفرنسيس وهيئته لم يتقدم مثلها بين المسلمين ونصب بنديرته في بركة الأزبكية من ناحية قنطرة الدكة على صاري طويل مرتفع في الهواء واجتمع إليه كثير من النصارى الشوام والأقباط وعملوا جمعيات وولائم وازدحموا على بابه، وحضر صحبة كثير من الذين هربوا عند دخول المسلمين مع الوزير وكان المحتفل بذلك حسين كاشف الإفرنجي.
وفي ثامن عشره، وصلت مكاتبة من البرديسي الى ابراهيم بك يخبر فيها أنه، لما وصل الى رشيد وتحصن السيد علي باشا بالبرج، أرسل إليه فبعث له حسن بك قرابة علي باشا الطرابلسي الوالي، فتكلم معه وقال له ما المراد إن كان حضرة الباشا والياً على مصر فليأت على الشرط والقانون القديم ويقيم معنا على الرحب والسعة وإن كان خلاف ذلك، فأخبرونا به الى أن انتهى الكلام بيننا وبينه على مهلة ثلاثة أيام ورجع وانتظرنا بعد مضي الميعاد بساعتين، فلم يأتنا منهم جواب فضربنا عليهم في يوم واحد مائة وخمسين قنطاراً من البارود وأنكم ترسلون لنا أعظم ما يكون عندكم في البنب والمدافع والبارود فشهلوا المطلوب وأرسلوه في ثاني يوم صحبة حسين الإفرنجي وتراسل الطلب خلفه ولحقوا به عدة أيام.
وفي عشرينه، وصل حسن باشا الذي كان والي جرجا الى مصر العتيقة فركب ابراهيم بك للسلام عليه وحضر الطبجية الى جبهانته فأخذوها وطلعوا بها الى القلعة وكذلك الجمال أخذها الجمالة والعسكر ذهبوا الى رفقائهم الذين بمصر وطولب بالمال واستمر بمصر العتيقة مستحفظاً به من كل ناحية.
وفي يوم السبت خامس عشرينه، وقعت نادرة وهي أن محمد باشا طلب من سليم كاشف المحرمجي أن يأذن له في أن يركب الى خارج الناصرية بقصد التفسح فأرسل سليم كاشف يستأذن ابراهيم بك في ذلك فأذن له بأن يركب ويعمل رماحة، ثم يأتي إليه بقصر العيني فيتغدى عنده، ثم يعود وأوصى على ذبح أغنام ويعملون له كباباً وشواء فأركبه سليم كاشف بمماليكه وعدة من مماليك المحرمجي وصحبته ابراهيم باشا، فلما ركب وخرج الى خارج الناصرية أرسل جواده ورمحه وتبعه مماليكه من خلفه فظن المماليك المصرلية أنهم يعملون رماحة ومسابقة، فلما غابوا عن أعينهم ساقوا خلفهم، ولم يزالوا سائقين الى الأزبكية وهو شاهر سيفه وكذلك بقية الطاردين والمطرودين فدخل الى أحمد بك الأرنؤدي وضرب بعض المماليك فرسه ببارودة فسقط وذلك عند وصوله الى بيت أحمد بك المذكور ووصل الخبر الى سليم كاشف فركب على مثل ذلك بباقي أتباعه وهم شاهرون السيوف ورامحون الخيول واتصل الخبر بابراهيم بك فأمر الكشاف بالركوب وأرسل الى البواقي بالطلوع الى القلعة وحفظ أطارف البلد فركب الجميع وتفرقوا رامحين وبأيديهم السيوف والبنادق فانزعجت الناس وترامحوا وأغلقوا الحوانيت واختلفت رواياتهم وظنوا وقوع الشقاق بين الأرنؤد والمصرلية وكذلك المماليك المصرلية أيقنوا ذلك وطلع الكثير منهم الى القلعة، ولما دخل محمد باشا عند أحمد بك ومن معه من أكابر الأرنؤد قاموا في وجهه ووبخوه بالكلام وقبضوا عليه وعلى مماليكه وأخذوا ما وجدوه معهم من الدراهم وكان في جيب الباشا خاصة ألف وخمسمائة دينار، وحضر سليم كاشف المحرمجي عند ذلك فسلموه له فأركبه الباشا اكديشاً لأن فرسه أصيب ببارودة من بعض المماليك اللاحقين به وذلك عند وصوله الى بيت أحمد بك وركب معه أحمد بك أيضاً وأخذوه الى عند ابراهيم بك بقصر العيني فخلع ابراهيم بك على أحمد بك فروة سمور وقدم له حصاناً بسرجه وسكنت الفتنة ونعوذ بالله من الخذلان ومعاداة الزمان.
وفي يوم الأحد سادس عشرينه، وردت الأخبار ومكاتبة من البرديسي بنصرتهم على العثمانية واستيلائهم على برج رشيد بعد أن حاربوا عليه نيفاً وعشرين يوماً وأسروا السيد علي القبطان وآخرين معه وعدة كثيرة من العسكر وأرسلوهم الى جهة الشرقية ليذهبوا على ناحية الشام بعد أن قتل منهم من قتل، فعند ذلك عملوا شنكاً وضربوا مدافع كثيرة وكذلك في ثاني يوم وثالث يوم.
وفي يوم الأربعاء تاسع عشرينه، كسفت الشمس وقت الضحوة وكان المنكسف تسعة أصابع وهو نحو الثلثين وأظلم الجو وابتداؤه الساعة واحدة وثمان دقائق ونصف وتمام الانجلاء في ثالث ساعة وست عشرة دقيقة وكان ذلك في أيام زيادة النيل نسأل الله عفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

.شهر جمادى الأولى سنة 1218:

استهل بيوم الجمعة في ثانيه الموافق لخامس عشر مسرى القبطي وفي النيل سبعة عشر ذراعاً وكسر سد الخليج صبحها بحضرة ابراهيم بك قائمقام والقاضي وجرى الماء في الخليج على العادة.
وفيه وردت الأخبار بأن علي باشا كسر السد الذي ناحية أبي قير الحاجز على البحر المالح وهذا السد من قديم الزمان من السدود العظام المتينة السلطانية وتتفقده الدول على ممر الأيام بالمرمة والعمارة إذا حصل به أدنى خلل، فلما اختلت الأحوال وأهمل غالب الأمور وأسباب العمارات انشرم منه شرم فسالت المياه المالحة على الأراضي والقرى التي بين رشيد وسكندرية وذلك من نحو ستة عشر عاماً، فلم يتدارك أمره واستمر حاله يزيد وخرقه يتسع حتى انقطعت الطرق واستمر ذلك الى واقعة الفرنسيس، فلما حضرت الانكليز والعثمانية شرموه أيضاً من الناحية البحرية لأجل قطع الطرق على الفرنسيس فسالت المياه المالحة على الأراضي الى قريب دمنهور واختلطت بخليج الأشرفية، وشرقت الأراضي وخربت القرى والبلاد وتلفت المزارع وانقطعت الطرق وحول الإسكندرية من البر وامتنع وصول ماء النيل الى أهل الإسكندرية، فلم يصل إليهم إلا ما يصلهم من جهة البحر في النقاير أو ما خزنوه من مياه الأمطار بالصهاريج وبعض العيون المستعذبة، فلما استقر العثمانيون بمصر حضر شخص من طرف الدولة يسمى صالح أفندي معين لخصوص السد وأحضر معه عدة مراكب بها أخشاب وآلات وبذل الهمة والاجتهاد في سد الجسر فأقام العمل في ذلك نحو سنة ونصف حتى قارب الإتمام وفرح الناس بذلك غاية الفرح واستبشر أهل القرى والنواحي، فما هو إلا وقد حصلت هذه الحوادث وحضر علي باشا الى الثغر وخرج الأجناد المصرلية وحاربوا السيد علي باشا القبطان على برج وشيد فخاخ حضورهم الى الإسكندرية ففتحه ثانياً ورجع التلف، كما كان وهذهب ما صنعه صالح أفندي المذكور في الفارغ بعدما صرف عليه أموالاً عظيمة وأما أهل سكندرية، فإنهم جلوا عنها ونزل البعض في المراكب وسافر الى أزمير وبعضهم الى قبرص ورودس والأضات وبعضهم اكترى بالأيام وأقاموا بها على الثغر، ولم يبق بالبلدة إلا الفقراء والعواجز والذين لا يجدون ما ينفقونه على الرحلة وهم أيضاً مستوفزون وعم بها الغلاء لعدم الوارد وانقطاع الطرق وقيل إن علي باشا المذكور فرد عليهم مالاً وقبض على ستة أنفار من أغنياء المغاربة واتهمهم أنهم كتبوا كتاباً للبرديسي يعدونه أنه إذا حضر يدلونه على جهة يملك منها البلد بمعونة عسكر المغاربة فأخذ منهم مائة وخمسين كيساً بشفاعة القبطان الذي في البيليك بالثغر واجتهد في حفر خندق حول البلد واستعملهم في ذلك الحفر وفي عزمه أن يطلق فيه ماء البحر المالح فإن فعل ذلك حصل به ضرر عظيم فقد أخبر من له معرفة ودراية بالأمور أنه ربما خرب إقليم البحيرة بسبب ذلك واجتهدوا أيضاً في تحصين المدينة زيادة عن فعل الفرنسيس والانكليز.
وفي يوم السبت تاسعه، وصل السيد علي القبطان الى مصر وطلع الى قصر العيني وقابل ابراهيم بك فخلع عليه فروة سمور وقدم له حصاناً معدداً وأكرمه وعظمه وأنزلوه عند علي بك أيوب وأعطوه سرية بيضاء وجارية حبشية وجاريتين سوداوين للخدمة ورتبوا له ما يليق به وهو رجل جليل من عظماء الناس وعقلائهم وأخبر القادمون البرديسي والأجناد المصريين ارتحلوا من رشيد الى دمنهور قاصدين الذهاب الى سكندرية وأرسلوا بطلب ذخيرة وجبخانة ومماليك وعساكر.
وفي أرادوا عمل فردة وأشيع بين الناس ذلك فانزعجوا منه واستمر الرجاء والخوف أياماً، ثم انحط الرأي على قبض مال الجهات ورفع المظالم والتحرير من البلاد والميري عن سنة تاريخه من الملتزمين ويؤخذ من القبط ألف وأربعمائة كيس هذا مع توالي وتتابع الفرد والكلف على البلاد حتى خرب الكثير من القرى والبلاد وجلا أهلها عنها خصوصاً إقليم البحيرة فإنه خرب عن آخره، ثم أن البرديسي استقر بدمنهور وبعدما أبقى برشيد مملوكه يحيى بك ومعه جملة من العساكر وكذلك بناحية البغاز وهم كانوا من وقت محاصرة البرج حتى منعوا عنه الإمداد الذي أتاه من البحر وكان ما كان وشحن البرديسي برج مغيزل بالذخيرة والجبخانة وأنزلوا برشيد عدة فرد ومغارم وفتحوا بيوت الراحلين عنها ونهبوها وأخذوا أموالهم من الشوادر والحواصل والأخشاب والأحطاب والبن والأرز وقلت الأقوات فيهم والعليق فعلفوا الدواب بشعير الأرز بل والأرز المبيض وغير ذلك مما لا تضبطه الأقلام ولا تحيط به الأوهام.
وفي منتصف هذا الشهر في أيام النسئ نقص النيل نقصاً فاحشاً وانحدر من على الأراضي فانزعج الناس وازدحموا على مشترى الغلال وزاد سعرها، ثم استمر يزيد قيراطاً وينقص قيراطين الى أيام الصليب وانكبت الخلائق على شراء الغلال ومنع الغنى من شراء ما زاد على الأردب ونصف أردب والفقير لا يأخذ الأويبة فأقل ويمنعون الكيل بعد ساعتين فتذهب الناس الى ساحل بولاق ومصر القديمة ويرجعون من غير شيء واستمر سليم آغا مستحفظان ينزل الى بولاق في كل يوم صار الأمراء يأخذون الغلال القادمة بمراكبها قهراً عن أصحابها ويخزنوها لأنفسهم حتى قلت الغلة وعز وجودها في العرصات والسواحل وقل الخبز من الأسواق والطوابين وداخل الناس وهم عظيم وخصوصنا مع خراب البلاد بتوالي الفرد والمغارم وعز وجود الشعير والتبن وبيعت الدواب والبهائم بالسعر الرخيص بسبب قلة العلف واجتمع بعض المشايخ وتشاوروا في الخروج الى الاستسقاء، فلم يمكنهم ذلك لفقد شروطها وذهبوا الى ابراهيم بك وتكلموا معه في ذلك، فقال لهم وأنا أحب ذلك فقالوا له وأين الشروط التي من جملتها رفع المظالم وردها والتوبة والإقلاع عن الذنوب وغير ذلك فقال لهم هذا أمر لا يمكن ولا يتصور ولا أقدر عليه ولا أحكم إلا على نفسي فقالوا إذاً نهاجر من مصر فقال وأنا معكم، ثم قاموا وذهبوا.
وفي أواخره، وردت الأخبار برجوع البرديسي ومن معه من العساكر وقد كان أشيع أنهم متوجهون الى الإسكندرية، ثم ثنى عزمه عن ذلك لأمور الأول وجود القحط فيهم، وعدم الذخيرة والعلف والثاني إلحاح العسكر بطلب جماكيهم المنكسرة وما يأخذونه من المنهوبات لا يدخل في حساب جماكيهم والثالث العجز عن أخذ الإسكندرية لوعر الطريق وانقطاع الطرق بالمياه المالحة فلو وصلوها وطال عليهم الحصار لا يجدون ما يأكلون ولا ما يشربون.